خفـة

Your awesome Tagline

29 notes

حكاية بسيطة ليست عن الملابس الداخلية

في بدايات المرحلة الثانوية، وبعد استنفاد كل أشكال الاستفادة من وقت المدرسة الرسمي، في الخروج للعب الكرة، لعب ميدال أوف أونر، تسلق أشجار التوت، التعارك ، مشاهدة الأفلام الإباحية جماعات على جهاز كومبيوتر واحد في سايبر واحد، لم نجد أخيرا إلا قرار الذهاب لمزرعة موز قريبة من البحر_النيل_وأكل الموز، والعوم في النيل
الاقتراح كان بسيطا، زميلان قالا أنهم يفعلون ذلك منذ أسبوع، المزرعة آمنة، ولا أحد هناك ليشاهدنا، و”ماحدش هيزعق”، وهناكل موز، قررنا الذهاب
اليوم الأول كان مشجعا، خرجنا من الحصة الثانية، قفزنا السور، ثم ذهبنا سيرا للغيطان، عندما اقتربنا ، أشار لنا الزملاء أصحاب الخبرة، أي شجرات موز سنأكل منها، وأيها لسه محتاج يستوي، بعضهم أشار أننا يمكن أن نأخذ الموز في كل الحالات، ونسيبه يستوي في البيت، لا أعرف إن كان هذا دقيقا أم لا 
في الغيط، البعيد نسبيا عن المباني، والمحازي للنيل في انعطافة ، لا يمكن بسهولة لأحد أن ينظر لنا ونحن فيها من بعيد، خلعنا ملابسنا، ونزلنا للعوم، شخصين كان يجيدان العوم الكلابي، وجميعنا كنا نجيد التظاهر بأننا أيضا نجيده، ظللنا ثلاث ساعات ، ثم لبسنا ملابسنا وروحنا
اليوم الثاني كان لطيفا أيضا، لكن لم أحضره، بعضهم تحدث عن أشياء مثل أن صاحب الغيط اتخانق مع العيال، لكنهم جميعا طمأنونا أن الأمور كلها تسير على ما يرام
اليوم الثالث، ، ذهبنا للمدرسة، قفزنا السور، أكلنا الموز، خلعنا ملابسنا، ونزلنا، ولكن احتياطا، كنا جميعا في النيل، ماعدا زميلين، نضحك ونعوم، والدنيا عال، فجأة ومن بعيد قليلا، رأينا الزميلين يقومان الهرب، ويظهر فلاحين غليظين، أمامنا، واقفين على الشط، مستهزئين، أخدوا هدومنا  وجريوا 
كنا إذن في النيل، بدون ملابسنا، اللي أخدها ما افترضنا أنهم أصحاب الغيط وجريوا، أنا لا أزال أذكر للآن، شكل شجر الموز من بعيد، والبيوت البعيدة، وأنا أنظر من النيل، إلى العالم، الذي سيصعب علينا الخروج إليه عرايا هكذا، ارتبكنا جميعا، حتى الصيع اللي فينا، بدو قليلي الحيلة، لم نكن جميعا في نفس الدرجة من المآساة، بعضنا كان لا يزال يلبس ملابس داخلية_كشخص يعرف أنه سينضم للانتلجنسيا يوما ما كنت محفتظا بملابسي الداخلية_ بعضنا لم يكن يمتلك شيئا إلا عزيمته 
اقترح محمد أن يذهب مصطفى لبيته ويحضر لنا كل الملابس اللي عندهم في البيت، فقط الحد الأدني الذي يسمح لكل منا، بالتصرف، مصطفى كان ممن لا يمتلكون إلا عزيمتهم، كان على أحد المنتمين للطبقة العليا صاحبة الثروة_الملابس الداخلية_أن يتنازل من أجل المجموع، لم أكن مرشحا لذلك، لضآلتي الجسدية مقارنة بأغلبهم، تم استبعادي بديهيا من قرار التأميم ذلك 
لكن عصام اقترح أن نجري بسرعة بسرعة، ونستخبى كلنا في شقة مصطفى، ونكلم اخواتنا يجيبولنا هدوم، الاقتراح كان منطقيا، لكن شديد المغامرة، سنجري على الأقل مسافة كيلومتر ونحن هكذا، لكن عصام كان يمتلك منطقا متماسكا، مادمنا كتير ماحدش هيركز في شخصياتنا، مجرد ناس عريانة كتير بتجري ورا بعضها، مصطفى رفض بشدة، لم يكن من اللطيف أن يرتبط بيته ، بقصة العيال العريانة اللي دخلت تجري ورا بعضا 
محمود اقترح أن نكون عمليين، ورق الشجر الموز الضخم، نستخدمه كغطاء لعوراتنا،ثم نجري، ناس عريانة كتير ماسكة ورق موز مغطية حاجاتها وبتجري، لم يكن ذلك حلا لأي شئ
أنور اقترح أن ننتظر الظلام، ثم نجري بالليل، بالليل أوي، إلى بيوتنا ، هيحسبونا جن وللا حاجة، ماحدش هيقرب مننا، كان اقتراحا متماسكا، لكن هنعمل ايه لحد بالليل، هنفضل ناكل موز، طب هنطلع ازاي من البحر، ونجيب الموز، حد يطلع يجيبه ويرجعلنا، طب لو أصحاب الغيط مسكوه، خلاص يطلع اتنين، يطلع تلاتة، هيطلع تلاتة، كان علىنا إذن أن نختار منا ثلاثة ليفعلوا ذلك، كنت أيضا مستبعدا من ذلك، أنا الشخص غير المهيأل لأي أفعال جسدية، كنت أقف في النيل، الشمس في ظهري، بجواري حوالي عشرة أصدقاء، عرايا، أيضا، خائفين، نشاهد معا ثلاثة منا وهم ويصعدون الجزء المرتفع قليلا من الأرض، للوصول إلى الغيط، عرايا، ثم المجئ بالموز، لم تكن تلك تضحية بسيطة أبدا

45 notes

ضيعت سنوات عمري الأكثر زخما، في التفكير فيما يمكنني قوله لك، حين نلتقي، بتوالي الأحداث، كان يختلف كل شئ، فكرتي عن العالم والدين والله والصداقة والحب ، لكن يظل كل ذلك في إطار التفكير فيما يمكنني قوله لك، لا أخفي أبدا أنني وإن كنت لا أشعر بندمتام،  فقد انهزمت أمام شعور بالخذلان لم يمكنني الانفلات منه، كان ينبغي لكل ذلك الألم، أن ينبت شيئا جميلا، أو يذبل في بدايته، ما فائدة كل هذا الطريق، الحزن، الاكتئاب ، السعي لوصال لن يوجد أبدا، وليال طويلة من الهيستريا، ينتهي الأمر هكذا إذن مرة واحدة، بالتنبه فجأة مع ضربات الواقع، إلى عدم أصالته، فقط هكذا، حتى الهجر أفضل في النهاية من ذبول المحبة

كان عليك، كصديقة وكأخت كبرى، أن تتصرفي بأي شكل، تمنعي حدوث ذلك، تقتليه في بدايته بشكل فعال، وليس أن تتركي السياقات تجر بعضها هكذا ، المثير للسخرية طبعا، أن بوصولي لليأس الكامل في أي وصال ذو معنى، وبالتالي تحول الأمر كله فجأة بالنسبة لي من فيلم لايت كوميدي، ستنتهي لحظات الغضب والسخرية المتبادلة في منتصفه، ليبدأ سياق الحب ، إلى فيلم تراجيدي، يقتصر فقط على لحظات الغضب فقط، المثير للسخرية أن ذلك، لم يفعل شيئا سوى ازاحة تفكيري من كيفية إقناعك بالوصال، بروح المحبين، إلى كيفية عتابك على كل ذلك، بروح الأصدقاء_قال يعني_ والمثير للسخرية أكثر، أن هذه الازاحة، لم تزد الأمر عقلانية، بل فجرت عبثيته أكثر، بتحول الأمل في وصال ما، إلى أمل في وصال لا يفضي إلا إلى عتاب لحظي، عتاب لحظي يمكن اعتباره نهاية كل شئ

101 notes

المحاصرة

1

رغم خليط مشاعر الاكتئاب والحزن والغضب والحب، التي تأتي المرء دوما، فقد كان مكونها الأكثر تأثيرا وارباكا لكل شئ، هو الشعور بالمحاصرة، الاحساس الدائم بالتواجد في المكان الخاطئ، وفي اللحظة الخاطئة، بضرورة مغادرة كل شئ، الآن وحالا، بضرورة تغيير كل شئ، طريقة التفكير، نمط التعامل مع الحياة، دوائر الأصدقاء، والاندماج المعاكس لما لم أكن فيه أبدا 

لقد كان الشعور بالمحاصرة صاحب اليد العليا دوما، لأنه الوحيد الذي لا يمكن استعماله في شئ إيجابي، يمكن للحزن أن يقنع الفتاة التي أحببتها ألا ضرورة للمزيد من القسوة والجفاء، ويمكن للاكتئاب أن يحيط المرء بهالة زائفة من العمق والجدية، ويمكن للحب أن يؤطر هذا الحزن والاكتئاب في سردية ما: أنا مكتئب لأنها لا تحبني، على عكس لا يمكن بالشعور المحاصرة أن يفعل أي من ذلك، بل إنه حتى يفسد كل ما تحاول بقية المشاعر فعله، لإنه يوصم كل سردياتها بالزيف، وإذن بضرورة الهرب منها أيضا

2

اختبرت كثيرا ذلك الشعور الساحق، الاحساس بالحاجة للحظة طمأنينة  جذرية واحدة، للتفكير في كل قراراتي المؤجلة، كنت على الدوام، ضجرا وهاربا وشاعرا بالمحاصرة، المحاصرة المهمشة تماما لأي تماسك داخلي، المحاصرة التي تقتل أي تفكير فيما ينبغي علي أن أفعله غدا، كان ينبغي التفكير فيما يجب فعله الآن، في الهروب من هذه المحاصرة بسرعة، في فتح ثغرات في الجدران الملتصقة بجسدي، قبل أن تعتصرني حتى النهاية، وعليه ، ومهما حاولت عدم الاعتراف، فلم أكن يوما سوى شخص شديد التفاؤل والرغبة في الانفتاح على كل تجارب الحياة، السير في كل الطرقات، مصادقة كل الأشخاص، مع إمكانية عالية لظهور ضجر غاضب من ذلك كله، فجأة، عندما أحس ألا جدوى من ذلك، أن كل هؤلاء لن يتمكنوا من فعل أي شئ لمساعدتي، وأيضا غضب من ذاتي، لأنني وإن كنت  لم أشعر برضا عن ذاتي أبدا، إلا لحظات تمكني من جعل أصدقائي سعداء وفرحين، فلقد شكلت فكرة المحاصرة والهروب، تأنيبا داخليا للتعامل مع أصدقائي ك”أدوات هروب”، وإذن التخلي عن أحلام أخرى تتعلق بالأصالة والملحمة وخرافات كثيرة كهذه، وإذن تشديد المحاصرة حول نفسي مرة أخرى بنفي إمكانية الهروب نفسها، لأن كل الأشياء متساوية، كل الدروب ينبغي الانفلات منها 

3

، كنتِ منذ عرفتك ، الدرب الوحيد الذي أعرف أنني أريد السير فيه، ومثل ذلك لي، حلم آمن ومطمئن، بين كل أفكار الانتحار والهروب، وإذن حملتك ما لم تريدي أن تحمليه، وثابرت على ذلك، لأكتشف حين سأستيقظ فجاة، تحت وطأة ضربات الواقع المرتبطة بالحياة والسياسة  واندثار الثورة، ووجودنا الذي أصبح مهددا بشكل حيوي، أكتشف أنني كنت شخصا مجنونا، بشكل حرفي لا مجاز فيه، آلمني أني لم أكتشف ذلك إلا متأخرا، آلمني أن أحدا لم ينبهني إلى ذلك، آلمني أنك لم تنبهيني إلى ذلك، لأرى فجأة  سنينا كاملا في حياتي، بآلامها وشدتها وأفكارها الانتحارية، لم تكن سوى مجازات في ذهن شخص تختلط في ذهنه الوقائع والأفكار، كان ألما في غير مكانه، وعلى العكس تبدو لي الآن هذه الفترة_فترة انتصار الثورة، الفترة الأكثر ثقلا وكآبة وحزنا في حياتي الشخصية_هي الفترة التي كان يمكن للمرء أن يحقق فيها أحلامه بشكل مشهدي، لولا الهيستريا والحب والجفاء

4

لم يكن أكثر ألما من تلك الفكرة التي هاجمتني فور الاستقياظ من أحلام الحب والثورة،  مع تسليمي بهيستريتي،أنني قد  أكون أصلا لم أعرفك يوما، ربما لم نعرف بعضنا أبدا، ربما أحببتك كحل أخير، لمحاصرة  أفكاري الانتحارية، برسم درب شديد الجمال والجاذبية، لا يمكنني حتى مع ميولي الهروبية تلك، أن أقرر الاعراض عنه، محاولة أخيرة “لتشتيت خيال ذات منجذبة للعدم، بإظهار خيال من تحب أمامها”، وككل شئ أفعله، فلم يزدني ذلك إلا تيها وترددا وهيستريا 

ومع الاستيقاظ، لم أعد أعرف هل على أي أشكرك لتحملك ثرثرتي  عن دروب لم توجد إلا في خيال شخص مجنون، أم أعاتبك لتحطيمك إياها؟ اتأسف لك عن العبء الذي مثلته وأنا في هيستريتي الكاملة، وأنت الفتاة التي لم أعرفها أبدا؟

أم أتشاجر معك، لأنك لم تحاولي مساعدتي في ذلك، وأنت الصديقة التي كان يفترض بها أن تحل هذه الأشياء؟ هل أشعر بالخجل من “تحرشي” ببنت لا أعرفها، أم أغضب من صديقة لم تبادل تحيتي الحميمية بتحية حميمية مثلها؟

أنا حتى لم اعد متأكدا تماما، من أن أي شئ يمكنه تحجيم ميولي الانتحاري واكتئابي المزمن، وإن كان يمكن لهذا أن عزاءا لك عن كل هيسيتريتي، فقد كنت واثقا بك في الحلم وبعد اليقظة، كنت مؤمنا بك، أظن أكثر مما تسمح لي معرفتي بك، أعتقد أنني أزحت إليك، بعض مشاعر الحاجة للاحتضان، الركون إلى “حد كبير”، يمكنه أن يفعل الأشياء التي لا أفهمها ، وإن كان ذلك أيضا سببا من أسباب ترددي في القطع المتقين بنوعية مشاعري نحوك، وإذن بأصالتها من زيفها، وإن بدا ذلك شيئا طبيعيا مع كل هذه الهيستريا

5

بالوقت، لم يكن أمامي سوى خلق سرديات مختلفة، لما مررت به، ثم الاحساس بالمحاصرة من تلك السرديات نفسها، وخلق سرديات جديدة داخلها للانفلات مرة أخرى، وهو ما جعلني سجينا في النهاية، وسط كم هائل من تلك النظريات حول ما كان يجب فعله، سردية ترى الخلل في الحب نفسه من البداية، سردية ترى العيب في أنانيتي الشخصية، سردية تراها في التردد، سردية تراها في تعقيد الأمر كله ، بشكل لا يمكن حله، مهما أردنا ذلك، سردية تراها في الدين، ووسط هذا الكم من القصص، ومنعطفاتها  المفاجئة، وحلولها الدرامية التي لم تحدث، كان ينمو داخلي إحساس شديد الضيق والنقمة، النقمة من تحول ما كان يفترض به أن يجلب الطمأنينة، أن يكون منصة لإطلاق كل أعراض الهيستريا والجنون والرغبة في الهروب

58 notes

لم أشعر بالهزيمة تجاه الزمن، أكثر من شعوري في تلك الأوقات التي حفرت داخلي نفسها كزمن ماض ذهبي، على أن أحن إليه دوما، لقد كانت تلك الأيام شديدة الوطأة، كنت هشا و حزينا ومكتئيا وتائها في السرد، لكني كنت من اليقظة بحيث ألاحظ أن ما أعيشه، هي لحظة مشهدية جميلة، جميلة كمشهد باستبعاد إحساسي منها، كنت أعرف أنه في حروب الذاكرة تنتصر المشاهد على المشاعر، كنت أعرف أنني سأتذكر هذه اللحظات كنقطة أولية لبداية الدرب الذي سأسيره، وعليه سأبقى مشدودا إليها للأبد، والآن وأنا أجدني شديدة الحنين إلى تلك اللحظات نفسها، التي حذرت نفسي من الحنين إليها، أرى _وكنت أعرف أنني سأرى ذلك بمرور الزمن_أنها كان بها شئ شديد الجمال رغم كل شئ، لقد كنت حزينا ومكتئبا وعازما على الانتحار، لكن كان هناك ما يمكنه أن يسعدني فجأة وبشكل غير محدود، كانت هناك إمكانية للفرح المشهدي وسط كل هذا الحزن الوجودي، وكنت أشعر أنني سأخسر هذه الإمكانية، لصالح التصالح الهادئ مع الزمن، التصالح الهادئ المستعد للابتسام، ولكن ليس للاحتفال الطفولي

41 notes

سألت الشيخ عبدربه التائه: متى توقفت عن طلب العلم ؟

فأجاب: كنت أحضر مجالس العلماء، وأجلس بين أيديهم، وتأتينا الفتن، كقطع من الليل المظلم، فكنت أرى ولا يرون، فعرفت أنني أصبحت وليا من دونهم، وحزنت

295 notes

على الأشياء الجميلة ألا تجئ متأخرة

 بشكل أو بآخر، أظن أن حياتي سارت كأنها تم التخطيط لها جيدا ، كأنني كنت أعرف ماذا أفعل، لكن الأمور الجميلة كانت تحدث دوما، بعد موعدها بقليل، وإذن بعد تلاشي حماستي الطفولية تجاهها، لم تحدث الأشياء الجميلة في وقتها أبدا يا صديقتي، وإذن كان مصير كل ملحمة أن تنتصر، بعد خفوت جاذبيتها، بعد أن يكون محاربوها قد أنهكوا تماما، فلم يمثل الانتصار لهم سوى الإيذان بالراحة، وليس ببدء اليوتوبيا

 الأشياء الجميلة تحدث، متأخرة، بعد أن يكون القلب قد مل، ولا يشارك في الاحتفال، سوى امتنانا لسنين مضت، كان الانتصار فيها ليكون أجمل وأكثر بهاءا، بالأمس ظللت لساعات طويلة، أكتب لك خطابا طويلا، أبادل عتابك بعتاب أكثر منه حدة، كانت آخر جمله هو “على الأشياء الجميلة ألا تحدث متأخرة”، خطابا لم أرسله لأنه كما لم تعد عندك القدرة على شرح أي شئ كما تقولين، فأنا لم أعد قادرا على المضي وحيدا في ملحمة هيسترية لا أعرف تماما إن كنت تريدين لها الاستمرار أم لا، أنا أخشى فعلا ألا يبقى لنا في النهاية ما نتبادله سوى ضجرنا المشترك

لكل الأشياء فترة صلاحيتها الملحمية، بعدها تتحول إلى درب، ربما يكون جميلا و صعبا،  لكنه لا يعود ملحميا مرة أخرى، ينبغي أن ينتزع الانتصار في لحظة التجلي الملحمي للأشياء، حيث كل شئ معقد وصعب وملئ بالمخاطر، لكن بالأمل وباحتمال فرحة أكبر، بعد ذلك يمكن للانتصار أن يجلب الطمأنينة، وليس السعادة

على الأشياء  الجميلة، يا صديقتي، ألا تحدث متأخرة، بعد فوات أوان زخمها المشهدي، اتقادها الحماسي، على الأشياء الجميلة أن تحدث في عنفوانها، متحدية، ومحتفظة بحسها الساخر مما هو مقبل، على الأشياء الجميلة أن تحدث، حين يكون القلب لا يزال محتفظا بكل طاقته الاحتفالية، على الأشياء الجميلة ألا تحدث بعد نهاية الحفلة

49 notes

بعد كل شئ : شارع واضح وبنت

لسبب ما، تعلقت دوما بهذا المقطع من قصيدة درويش، واعتبرته خلاصه كل النوسطالجيا الممكنة، النوسطالجية مجردة ومفككة إلى عناصرها الأكثر أولية، النوسطالجية شديدة الجمال، لشدة بدائيتها

شارع واضح 

وَبِنْتْ

خَرجتْ تُشعلُ القمرْ

وبلادٌ بعيدةٌ

وبلادٌ بلا أثرْ .

كأن كل شئ،  كان قد ابتدى يوما ما، بهذه البساطة، شارع واضح تسير به بنت جميلة، لتبدأ كل حكاية، لكن أيضا ما جعلني متيما تماما بهذا المقطع، هو كذلك، النَفَس الحالم فيه أكثر مما تتطلبه النوسطالجيا، لسبب ما ، اعتبرته مانفيستو ملحمي لحلم شديد البساطة، حلم أن تؤول كل هذه التراجيديا والحرب والصراع والقتل والهروب والخوف والقلق، كل هذا التردد والضباب واللاتحدد، إلى شارع واضح،  بداية جديدة، لم تستنفد إمكانياتها المستقبلية ولا طاقتها الملحمية، كل شئ في مهده، كبداية رواية كلاسيكية، كتثاؤب طفل صغير في يوم شديد الهدوء والرتابة، كل شئ في مهده، بما يتيح للنفس أن تكون أحلامها بأقل الأشكال الصرامة

شارع واضح، أسير به ولا أتفلت، دون خوف، أو حسرة على الجمال الذي فوته من تجاهل شوارع أخرى

وبنت، خرجت تشعل القمر، أحبها

وبلاد بعيدة، حيث كل ما سيكون من الآن، ملحميا وصعبا، لكن جميلا ومحتملا

وبلاد بلا أثر، هي كل شئ كان قبل الوصول إلى هذا الشارع نفسه

52 notes

دائم الخضرة يا قلبي

1

أعتقد أنني لم أكن يائسا في حياتي أبدا، لقد كنت على الدوام حزينا ومكتبئا وعاجزا عن التأقلم، غير أنني لم أكن يائسا، أي عاجزا عن عن فتح أفق تجريدي والسير فيه، الاستئناس به، رسم مساراته المستقبلية، لقد عوضت ترددي البنيوي، شعوري بالمحاصرة، وضجري المفاجئ الذي يجعل من مسايرة أي شئ  حتى نهايته، عبئا ثقيلا،  باستعداد ذهني سريع على فتح أبواب وشبابيك وأنفاق، كلما ضاقت بي الغرف التي أحشر نفسي بها حشرا، أبواب وشبابيك وأنفاق لا تفضي إلا دروب مغلقة أخرى، في نهايتها أكون مجبرا على رسم أبواب أخرى

2

حتى في لحظات تفكيري بمغادرة كل شئ، لم أعتقد أنني وصلت لنهاية كل شئ، لم يحركني شعور بارد باليأس، أكثر منه شعور بالقرف، بالاندهاش مما لاقيت من القسوة، الجفاء المفاجئ، الخذلان العنيد، الإعراض المستعلي،  وعليه كنت خائفا أن من أن أي آفاق أخرى، سأرسمها ستكون مسمومة وملوثة من داخلها، بهذا الخوف نفسه، وإذن أكثر عرضة للفناء السريع، لقد كنت خائفا من ضجري نفسه، وبهذا كانت رغبتي في رسم أفق شديد الوضوح ، بشكل كامل،مسار شديد الرتابة والاعتيادية، درب مسطح بلا أي تعريجات، ولا يمكن أن يشوبه أي شئ، سببا في تغلب الضجر في النهاية، مع أول ظهور مفاجئ لأي ضباب بعيد، ضباب يمكن التغلب عليه تقليديا بالسير نحوه لولا هذا الخوف

3

 في النهاية، وبشكل ما أقمت مقايضة مع نفسي، إذا ما كلما ورطتها في مغامرات وجودية لا علة لها، سوى شغفي برؤية كل شئ، بالتجوال هنا وهناك، بالتسكع في كل مكان، ومعرفة كل الناس، سأكون قادرا وبحزم على خلع نفسي وقت ما سيكون ذلك ضروريا لللمحافظة على ضجرها النبيل، كنت دوما أسرع انفلاتا من قدرة الدرب على احتوائي تماما، لكن أيضا أبطا من الفوز باللحظات المشهدية الكبرى، قبل أن يبدأ كل شئ بالتداعي

18 notes

فجأة، وجدت نفسي أخرج من عمارة مسرعا، خطوات قليلة، نظرت لخلفي، كانت جموع غفيرة تخرج أيضا لتلحقني، أسرعت قليلا في مشيتي، ضجتهم تتزايد من خلفي، هتافات لا أستطيع تحديدها، من نافذة ما، أشارت إلي الفتاة التي أحببتها منذ زمان، أن أصعد بسرعة، هرولت تجاه البيت، قفزت على السلالم، لم أتذكر بالضبط مكان شقتها، وخفت أن أطرق أبواب الآخرين وأسأل، العمارة كانت تكبر كل دور أصعده، بعد قليل بدت كأنها بلا نهاية، نظرت إلى الأسفل من فوق الدرابزين، كانت الجموع ماتزال تصعد خلفي، فجأة انفتح باب، كانت الفتاة به، أخذتني  إليها بقوة، وقبلتني، كانت يداي ماتزال تحاول إحاطتها، عندما رأيت من خلفها جموعا في الغرفة المقابلة، تنظر لي شرزا وتستعد للهجوم، صرخ أحدهم ، دفعتني عنها، وأشارت إلى سلم غير الذي جئت منه، هرولت إليه، وجدت نفسي أخرج من العماره مسرعا، خطوات قليلة ، نظرت خلفي،  الجموع تخرج من العماره نفسها لتلاحقني، أسرعت قليلا، ونظرت للأعلي، كانت الفتاة تشير لي إلى مدخل عمارة أخرى لأصعد بسرعة 

45 notes

عشرون عاما

يوم ما، في واحدة من أشد لحظات اكتئابي وتيهي، منذ عشرين عاما، وعلى نفس هذا المقهى، كنت قررت أن أتزوج تلك الفتاة التي كانت في الطريق إلينا، لنمضي إلى مكان ما، ربما كان حفلة أو شئ من هذا القبيل، فجر ذلك اليوم نفسه، رفضت إحدي صديقاتي فكرة زواجنا، وكنت لا أدري ماذا يمكن لذلك أن يعني لي تحديدا،  كنت تائها وضعيفا، ووحيدا بشكل لا يمكن تفسيره، إذ كانت هذه الفترة تحديدا، هي الفترة التي كان كل أصدقائي حولي، دائما، بوكثافة مملة،  لم أدر ماذا يمكن أن يعني ردها السريع والحاسم، كما لم أكن متيقنا بشدة، من فكرة الزواج نفسها،  بدا طلبي نفسه  مربكا لي تماما، أيضا، وربما كان قرار أثقل وأكثر جدية، من طبيعتي شديد الضجر والحيرة والخوف، سيعلمني الوقت، أنني كنت أنانيا جدا في كل ما قلته لها، إلا القليل جدا، متمركزا حول ذاتي، لكني لم أكن أعلم ذلك حينها ، على العموم، لقد انتهى كل هذا الحديث فجرا .

اليوم التالي، كنت جالسا مع أصدقائي، على هذا المقهى، لم أحدثهم عن أي شئ، ولا أظنهم يعرفون للآن أي شئ تفصيلي عن ذلك، وفي انتظارنا لتلك الفتاة، قررت أن أتزوجها، يمكن اعتبار ذلك ازاحة قصة كان يمكنها أن تكتمل في الساعات الماضية، لمكان آخر، يمكن للقصة أن تكتمل فيه، هذه طبعا هي الأنانية التي أتكلم عنها، لكن ذلك قد يكون أيضا محاولة جدية لصنع سراب، ثم القذف به بعيدا، والسير نحوه، لإنقاذ النفس، من اليأس التام وسط الصحراء. وسط هذه الصحراء، قررت أن اتزوج الفتاة التي مازالت في الطريق، كان من حولي يتجادلون بحماسة ، في شئ ما، وكنت قد انتقلت من فكرة الزواج، لفكرة شراء بيت ، ومكانه، ومنها، لفكرة الانجاب، وقررت أن أنجب بنتين، ومن ثم، قمت بتسمية الفتيات أيضا، الأولى منهما قررت أن أسميها باسم صديقتي التي رفضتني، والبنت الثانية، باسم أنثوي، أحببته دوما، ترددت قليلا في فكرة انجاب ولد ، من ناحية يجب أن يوجد أحد ما ليذهب لشراء حاجات البيت، ومن جهة أخرى، تبدو فكرة إنجاب ولد، ممل وبضين، ثم يكبر، ليصبح مراهقا، وعنيفا، وغبيا، وكئيبا، ومتطرفا، شئ لا داعي له أبدا، اكتفيت بطفلتين إذن

كنت مازالت أجلس على نفس القهوة بعد ذلك بعشرين عاما، عندما حكيت لها أنني قررت كل ما نحن فيه، منذ عشرين عاما تماما، وقت أن كانت ماتزال في الطريق، ولم أكن قد التقيتها أبدا قبل ذلك، ثم ترددت أيضا في أن أحكي لها، قصة صديقتي التي رفضتني، حتى بعد عشرين عاما، لا يمكن تماما ضمان أثر هذه الفكرة عليها، استبعدت تلك الفكرة إذن، لكني ظللت أحكي أنها، أن كل ما نحن فيه كان قرارا شبيها بالوحي،  قرارا  إلهيا، صارما، ومتماسكا، ومغايرا لطبيعتي تماما، قررت ان نتزوج، وقررت مكان بيتنا، وقررت أن ننجب طفلتين كما فعلنا تماما، ونسميهما بأسمائهن تلك تماما، وقررت أننا سنجلس هنا تماما، الآن بعد عشرين سنة،  في نفس هذه القهوة،  التي أخذت القرار فيها وقت ماكانت هي ماتزال في الطريق، وكنت لم أرها أبدا قبل ذلك، كان كل شئ محكما ومثبتا في ذهني وشبه محسوما من البداية

كان كل شئ محكما تماما، سوى أنها لم تصل أبدا ذلك اليوم، لم يكن هناك حادث أو أي شئ درامي شبيه، هي فقط لم تصل  ذلك اليوم، لسبب عادي ورتيب لم أعد أذكره، ولم تصل إلينا بعد ذلك، كأنها تاهت منا للأبد. وربما الآن، بعد عشرون عاما، من كل ذلك، قد تكون هي هذه الجالسة أمامي، أو تلك، أو تلك الأخرى، يمكن أن تكون أيا من اللاتي يسرن أمامي الآن، أنا أقرر أن أتزوج من أول ستجلس على تلك الطاولة البعيدة في اليسار