1
عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل ، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد_صحيح البخاري
ويصنع الفلك، وكلما مر عليه ملأ من قومه، سخروا منه، قال إن تسخروا منا، فإنا نسخر منكم كما تسخرون_سورة هود
نتجول داخل عالم رمزي لا يرتبط كثيرا بالعالم كما هو، عالم رمزي تخلقه أحلامنا واحتياجاتنا ، مخاوفنا ، وطموحاتنا،، عالم يعطي للناس والأشياء والعلاقات بينهم مدلولات ومعاني تختلف من فرد لآخر، نعدل هذا الفضاء الرمزي كلما نرى أن الواقع يكذبه و لا يعترف به، أننا لا نستطيع إقناع الناس بالمعاني التي نراها عند الناس والأشياء، ولكن هذا خيار من خيارات عديدة، بجوار خيار أن نعدل نحن فضاءنا الرمزي ومعانينا وأحكامنا على الناس والكون ، ربما نمتلك أحيانا من الاندفاع ما يجعلنا نحاول أن نمد فضاءنا على العالم كله، ونقنع الناس أن يجربوا قيمنا وأحكامنا هذه، للقيام بمغامرة كهذه يجب أن نتحرر مبدئيا من أحكام الناس على قيمنا وتصوراتنا، نقابل شكهم الساخر من آرائنا بشك ساخر تجاه آرائهم، حين ننجح في ضمهم لعالمنا الرمزي هذا، نصبح أنبياء وزعماء، ومجموعة من الصور والاكليشهات والجمل المقولبة والنمطية، حين ننهزم نصير أنبياء منبوذين، أو بالتعبير التقليدي نصبح مجانين، في الحالتين لا يتمثل جمال الأمر ، في النجاح أو الفشل، فكليهما يحملان إمكانية لخسارتنا لذواتنا في النهاية، قد يكون الجمال كله في الفترة المناضلة والمشاغبة القلقة والمرتبكة والتي يعتصرها في نفس الوقت تفاؤل منبعه إيمان بالفكرة، ويأس منبعه ادراك أن الرحلة ستنتهي يوما
2

دائما ما أفرزت الملاحم الكبرى، ملاحما صغرى ، وملاحما مزيفة، ، وملحميين أصلاء بملاحم مزيفة، ولا ملحميين أجبرتهم الظروف على الدخول في الملحمة، هذه الملاحم الكبرى حين تنتهي لا يتبقى منها إلا مشهدها، صورتها المحفوظة ، يحاول الملحميون القادمون بعد فوات الأوان أن يتمثلوا كل ذلك، ليندمجوا في الملحمة، الفرسان دون معركة، أشهر نماذج ذلك هو دون كيشوت الذي سحرته قصص البطولة والفروسية، فحاول أن يقلدها ، خالقا في ذهنه عالما رمزيا لا يعترف أحد به، براح يحارب الخراف والنبات وطواحين الهواء ، معطيا لكل ذلك معاني لا يعترف غيره لها به، فلا أحد غيره يعترف بأن قطيع الخراف، هو جيش العدو، وإن كان الإيمان الكامل بلمحمة منتهية أيا كانت، يربكني في الحكم عليها، هل الملحميون القادمون بعد فوات الأوان، محض كذبة ومزيفون، أم أنه ربما تواجدت عندهم أصالة كذلك؟
3

فيلم”التروتسكي the trotsky” يدور حول أمر شبيه ذلك، يعتقد الشاب المنتمي لعائلة ميسورة ليون برونستين أن روح”ليون تروتسكي” الماركسي الروسي الثوري، قد حلت فيه، وأنه لذلك سيمر بمثل ما ذلك الروسى الثوري، يتشبه به في قصة شعره، نظارته، يحاول تقليده في قدرته الخطابية ، يقيم اضرابا عبثيا في مصنع يمتلكه والده، وعبثا ينعت والده بالفاشي بلا مبرر فعلي، وحتى فيما حدده لنفسه من خطوات للوصول إلى تحقق الملحمة، هناك خطوات في منتهى المشهدية:
_ابحث عن قاعدة للثورة
_تزوج فتاة أكبر منك سنا ..ويفضل أن يكون اسمها الكسندرا
_يتم نفيك لأي مكان
_ابحث عن فلاديمير لينين
الثانية لأن تروتسكي قد تزوج فتاة تكبره تسمى الكسندرا، والرابعة لأنه قابل لينين في المنفى، ولأنه بدون لينين_القائد الماركسي الآخر في الثورة الروسية_قد لا يمكن للفتى أن يقيم ثورته.
يقابل الفتى عند أستاذ له فتاة اسمها الكسندرا وتكبره بعشر سنوات، ينتشي حينها يصرخ:يا إلهي ، يا إلهي، إنه يحدث ، إنه يحدث، يقرر لحظيا أن يتزوجها فذلك أمر طبيعي، هو تروتسكي وهي الكنسدرا، ولا يبقى إلا الزواج ليكتمل المشهد الذي يعرفه عن ليون تروتسكي
4

يختلط الحب المفترض به التلقائية ، بالمشهد الذي هو افتعال وتقليد كامل، مشهد الحب الذي يحاول الفتى أن يصل إليه، ليكون وقتها “تروتسكي” بحق، إنه لا يحب، إنه فقط يأخذ قرار بالحب،يعتقد أن التاريخ يقول أنه سيتزوجها، ويخضع لذلك، وهذا ما تقوله له الكسندرا بوضوح:
حبنا؟ ، حبنا هو مجرد شئ صنعته في رأسك، أليس كذلك، أنا لا أحبك ،وجديا عليك التفكير فيما إذا كنت تحبني أم لا ، لأني لا أظن أنك تفعل، أنا أشعر حينما أحس أن أحد ما يستخدمني، توقف عن أي كلام عن الحب، أنت فقط تحاول أن تحس بالأشياء، لأنك تظن أن عليك أن تفعل، أنت لا تمتلك أي مشاعر حقيقية في حياتك
الموقف المتصلب من الكسندرا، سيلين فيما بعد، وستتعلق بشكل ما بليون، رغم أنها لن تصدق أبدا أنه العودة الروحية لتروتسكي، هنا يكمن جاذبية الملاحم حتى لو لم تكن حقيقية، تظل الملاحم محتفظة بجاذبيتها الحركية، روحها المندفعة، طموحاتها الجارفة، شبابها الروحي، لأنها تمد العالم بتلك الروح المندفعة، فيكتسب العالم حينها أصالة أعمق وجمالا أكبر، الملحمة قد تكون قادرة_مهما كانت حتى مزيفة_ على صنع ملاحم أصيلة على هامشها، ملاحم إنسانية لا ترتبط فعليا بالملحمة الكبرى، إلا لأن الأخيرة تخلق الفرصة لكي يجتمع الناس مع بعضهم من أجل الهدف الأكبر، الثورة الدائمة، وحين يجتمع الناس فإنهم يخلقون باجتماعهم دوائرا من الحب والزيف والكره، تظل هي محركهم الحقيقي ويظل ما يهتمون به وإن استمروا في الملحمة الكبرى، للحفاظ على علاقاتهم الإنسانية التي كونوها، وحين ينتشي الناس بعلاقاتهم الإنسانية تلك، تخرج لهم الملحمة من يعنفهم على اهتماماتهم الإنسانية تلك، ويحاول أن يزايد عليهم، ويجبرهم على أن يكملوا مشهد الملحمة إلى نهايته، ولا يمتلك الناس حينها أن يفعلوا شيئا، سوى أن يستمرو في الملحمة ، وهم مقتنعين بأنهم لم يقصدوا أبدا_ حتى في ذروة اندفاعهم_أن يكون الأمر بتلك الجدية
5

الأب الذي يضيق صدره مرارا وهو يشاهد ابنه يحاول التشبه بشخص ما، ابنه وهو يقول ويفعل أشياء في منتهى العبثية والزيف، يصل ضيقه ذروته ويزايد على ابنه
حسنا تقول أنك تروتسكي، لكني قرأت كتابه ولم أجد فيه أنه ذهب لمدرسة خاصة، ذهب للمدارس العامة، سأساعدك ، عليك أن تذهب أنت أيضا لمدرسة عامة
يضطرب الفتى حينها، وهو لم يتعود على تلك المدارس، لكنه لا يمتلك خيارا إلا المضي إلى الأمام، يدخل المدرسة ، يحاول أن يمارس مرة أخرى “تروتسكتيه” يعترض على بعض التصرفات، ينضم لمجموعة طلاب يعتقد أنهم شيوعيين أيضا، يحاول تنظيم اضرابا للحصول على حق إنشاء نقابة للطلاب في المدرسة، يجابه إدارة المدرسة التي تضيق بتصرفاته، يهتم الإعلام بمحاولات الإضراب في المدرسة، يحاول توسيع عالمه الرمزي ذلك بإشراك الطلاب فيه، مجموعته الضيقة تظل معه، وإن ظل هناك فرق واضح بين ما تعتقده المجموعة ومايعتقده هو، ورغم ذلك ظلوا يساعدونه في مشاريعه دائما، لأنهم يحسون بالأثر الملحمي في العالم، يفعلون مالم يفعلوا من قبل، يتخطون الدوائر الحمراء للمجتمع الذي يضيقون به، يخلقون عالمهم الحر المتحرر والمتحدي لعالم الكبار
..
في اللحظات تلك تكتشف الكسندرا أنها تعلقت به، تصارح صديقتها في البار بذلك: إنني واقعة في الحب، تتعجب هي لذلك، وتتعجب صديقتها كذلك، وتحاول أن تعيد اتصالها به، بينما هو يتهرب منها، اللحظات الإنسانية في الملاحم تلك تخترق زيف الملحمة، ولا تبالي به، هي لم تصدق أبدا أنه قد يكون فعلا تروتسكي، إلا أن ذلك لم يعد يعنيها في أي شئ
6

ولكن مهما تكن ظروف موتي، فإني سوف أموت وأنا متمسك بإيمان لا يتزعزع بالغد الشيوعي. إن هذا الإيمان بالإنسان وبغده يزوّدني، حتى في هذا الوقت، بقدرة على المقاومة لا يستطيع أي دين أن يوفره، إني أستطيع أن أرى شريطا من العشب الأخضر على حافة الجدار، والسماء الزرقاء الصافية فوقه، والشمس في كل مكان. إن الحياة لجميلة فلتطهرها الأجيال القادمة من كل شرّ واضطهاد وعنف، ولتتمتع بها إلى أقصى حد_تروتسكي
كان تروتسكي يعتقد أنه لا سبيل لنجاح الثورة الاشتراكية في روسيا إلا حين تثور كل دول أوربا هي أيضا، وكان ذلك اختلافا عميقا مع ستالين الذي رأى أنه من الممكن القيام بثورة اشتراكية في بلد واحد، يمكن تفسير موقف تروتسكي ذلك بعيدا عن الابعاد الاقتصادية، أن الحلم الشيوعي ككل حلم، يحتاج ليعبر المسافة بين الواقع والخيال، المسافة التي تمكنه أن يحتل الواقع ويفرض شروطه وقيمه ومفرداته، ينبغي أن يحصل على اعتراف عالمي به، من دون هذا الاعتراف الجمعي يظل الحلم _وإن تحقق جزئيا_ قلقا ، لأن من يحلمون به يعرفون أن هناك من ينظرون إلى حلمهم، ويقولون: يالبؤس هؤلاء المجانين، وإن كان تحقق الحلم جزئيا أيضا، يقلق هؤلاء صانعي الأحلام المخلصين، لأنه غالبا يتحقق كما لم يتخيلوا، حينما يتحول الحلم لواقع يفقد ثقله الملحمي، ويصبح واقعا ميتا، يصير واقعا، ويخضع لشروط الواقع، ويتحول الحلم نفسه إلى سلطة للواقع ترفض بدورها أي أحلام أخرى، ويكتسب سلطة الواقع هذه أكثر الحالمين واقعية، وينبذون الحالمين الراديكالين المصرين على تحقيق أحلامهم بكل قيمها وأخلاقيتها، وربما ليست مصادفة أن الأمر ينتهي بتروتسكي إلى المنفى حتى بعد نجاح ثورته، ليكتب “الثورة المغدورة” في نقد الدولة الستالينية، في نقد حلمه بعد أن أضحى واقعا واقعيا
..
ولكن لأن التاريخ كما يقول ماركس حين يكرر نفسه ، يحول المآساة لملهاة، فإن ليون رغم أنه ينجح في إقامة اعتراض طلابي قوي من أجل نقابة للطلاب، فإن أحدا حتى من المحتجين لم يأخذ الأمر بجدية تامة، وإن كانت الملحمة لم تضع هدرا ، ففي لحظة القبض على ليون، جاءت الكسندرا وقبلته، وهذا وحده يمحو كل أعباء الملحمة، وحين يعود ليون للبيت، يحاول الجميع مجاراته في الحلم دون إيمان بما يقول، ولأنه حقق حبه لألكسندرا، فلم يبق أمامه إلا البحث عن فلاديمير لينين، بعد بحث طويل في سجل التليفونات عن اسم مشابه، يذهب ليون ليقابل هذا الفتى ، يجده قد تعارك للتو مع صديقته، يستوقفه، ويقول له
فلاديمير لينين؟، أنا ليون تروتسكي، يجب أن نتحدث سويا

1
تخرج السعادة من مكمنها بلا مناسبة بمرح طفولي مشاغب، قاطعة علي مسيرتي الشاردة من الحزن وإليه، لطبيعتي المتشككة أظل بلا حراك ، منتظرا ما تأتي به، ثم أنغمر بالسعادة بطيئا وبعمق، حتى أنسى ما كان عليه الحزن، أتشكك حينها حتى في أصالة الحزن، يبدو لي الحزن حينها نقطة فاصلة بين ذهاب حب وقدوم آخر، أنسى ما يعينه القلق والارتباك ورعشة اليدين وانهيار الجسم، تلك الأعراض التي كان يفترض أن تؤدي بي إلى الهيستريا، لكنها لسبب ما لم تمتلك الشجاعة لتفعل
2
أرتبك أمام لحظات السعادة، لا يداخلني أي شك تجاه من أحبهم، لكني أخشى الخذلان، ويربكني جرح قديم يجدد نفسه دائما، ولا تسعفني سرعة بديهة لا أمتلكها، أفكر في كل شئ بهدوء وببطء حتى أصل لأي نتيجة، في الأغلب لا أصل إلى أي شئ، إلا الدهشة تجاه الذين يمتلكون أحكاما قيمية صلبة على كل شئ يلقونها يمنة ويسرة ، أحكام قيمية يعلمون أن منبعها ليس إلا الخوف وحب الاندماج في جمع يحميهم من شعور الضياع في العالم، ذلك الشعور الذي يحاولون تعويضه بأن يلفتوا أنظار الجميع إليهم، إليهم بعد أن يكونوا قد تحولوا إلى ما يريده منهم الجمع، وفقدوا ذاتهم إلى الأبد، وهؤلاء لا يرتبكون امام السعادة، يدخلون إليها بقلب ثابت ويخرجون متخففين من القلق، ومتخففين من ذواتهم، يعيشون في لاحياة هادئة، لا يصيبهم ضجر ولا يعنيهم في شئ أن يكونوا سببا في تعاسة الآخرين، لا أمتلك أيضا حكما قيميا سلبيا عليهم، لكني أشعر بالخوف منهم، هؤلاء وإن كانوا طيبين في الماضي، إلا أن فقدانهم لذواتهم يجعلهم أنانيين لدرجة مخيفة ، فإن كانوا ضحوا بقلقهم من أجل سعادة فارغة، فالأولى أن يضحوا ويحتقروا قلق وضعف الآخرين ليصلوا إلى مايريدون، أنانية مستترة لكن تعلن عن نفسها كلما أجبرهم الزمان على الاختيار ما بين المضي في طريقهم ، أو التنازل عن سعادتهم ولو للحظة لسماع آخرين، أنانية تغلف نفسها بإطار ملحمي ، يدعون أنهم يضحون بأنفسهم في سبيل الملحمة، بينما لا تعدو الملحمة أن تكون غطاءا لضعفهم وقلقهم، ووسيلة في نفس الوقت لتجاوز كل ذلك، هؤلاء المزاحمين على المقدمة، ضيقي الصدور تجاه الآخرين مهما ادعوا العكس وتظاهروا باحتضان الجميع، يفتحون صدورهم لحكاوي الناس، حين يجدون أن ذلك يكسبهم مكانة أكبر، ويدوسون على جراح الناس، إن رأوا بعض الحكايات تذكرهم بما يقلقهم، وإن تفلت منهم جمالهم بين الحين والآخر مجبرا إياهم على تخفيف حدة أحكامهم وناصحا لهم أن يواصلوا تقدمهم كما يريدون دون أن يخطوا على جثث الآخرين
3
أحب هؤلاء العابرين بخفة وهدوء بلا اكتراث بما يمطرهم به التاريخ من أحزان متتالية، محافظين على خفتهم الوجودية وتفاؤلهم المرح وولعهم بالجمال، ومنقبين عن الجمال أينما وجد بعزيمة لا تلين ، لا تتسق مع خفتهم، لا يعنيهم أي يقعوا في تناقض لرؤيتهم الجمال في أشياء متناقضة، يفتت هؤلاء ثقل المعاني والأيدلوجيا والمعتقدات الدينية، محققين في الوقت نفسه رضا نفسي للعابرين بثقل حينما يرى الأخيرين أن هناك من يكتشف الجمال عندهم، يكمل العابرون بخفة طريقهم مندهشين مما يعانيه الآخرون من حزن بالغ، حزن مصمت ، يبدون تعاطفا خفيفا وهادئا ليكملوا طريقهم إلى حيث تسوقهم آثار الجمال، ، لا يعانون من أي أنانية، لكنهم لا يتفهمون الحزن المصمت المعبأ بنفسه، يرون لا شئ يستحق كل هذه الملحمية، يصادقون الأنبياء ويساعدونهم دون إيمان كامل إلا بالجمال، هؤلاء الذين يدخلون الجنة صاخبين في وسط الناس،لا أمامهم ولا خلفهم، يعبرون وسط الجميع، دون محاولة لتصدر المشهد ، إلا قليلا، ومن أجل أن يصبح ذلك محورا لأحاديثهم الطويلة الحميمة الضاحكة، وهؤلاء في الأغلب من سيحاولون إمداد أهل الأعراف بما يملكون، ولولا الحظر الإلهي لكانوا استضافوا أهل النار في جنتهم
4
رغم حبي ذلك، لا أتمكن من التخفف من أي شئ، فينظرون إلى كضيف يعلمون كما يعلم أنه ما جاء إلا ليرحل، لا يحزنني ذلك، لا أجد صحبتي الحميمية في النهاية، إلا عند هؤلاء الحزاني القلقين المثقلين بذواتهم وحبهم، والفرحين بلا أمل، والمرتبكين أمام لحظات السعادة، والقادرين على إغناء العالم بالمعاني والملحمية دون أن يرتبكوا خطأ الاندماج النهائي مع ما يبثونه من معاني، محتفظين بقلقهم خالصا، ورثة الأنبياء هؤلاء، وخلفاء التائهين في صحراوات لا متناهية بحثا عن المعنى، المثقلين بالحقيقة وغيابها، ، والمبتسمين لما يجرهم إليه قلقهم من مشاكل، والمحافظين في أعماقهم على عهد أبدي بالوفاء لمن يعرفون، والملحميين في الدفاع عن آمالهم وأحلامهم رغم ضبابيتها ورغم شكهم بها، والمتنقلين بخفة_رغم ثقلهم_بين أحلام شتى لا يتبقى لهم منها كل مرة إلاحبا و تسامحا عميقا مع من تركوهم يحلمون فيها، الناشرين الحقيقة حيثما طالت أياديهم، ومطببين جروح الآخرين متى استطاعوا، صانعي الأحلام المخلصين وأصحاب الملاحم اليوتوبية والمثل الكاملة دون أي قدرة على الالتزام بها، اللاعابئين بنظرة المجتمع والناس إليهم، ، المعبرين عن ارتباكهم وقلقهم وحلمهم كما يحلو إليهم بأشد ما يكون من الراديكالية، دون خوف من العودة من حلمهم ذلك للذهاب آخر، هؤلاء الذين يجرون وراءهم عشرات الأحلام، ومئات الحيوات التي عاشوها، ليخلصوا منها إلى تسامح مع كل شئ، إلا مع من يرغب في محاربة صناعة الأحلام، دافعهم الوحيد للنضال
5
في الأغلب يتلاقى أؤلئك العابرون بخفة مع العابرون بثقل في طرقهم، بعضهم يمد الآخر بما اكتشفوه من الجمال، والبعض يمد الآخر بما يعلم عن الحقيقة وغيابها، يندهش العابرون بثقل أمام ما يظهره لهم الآخرون من الجمال، ويندهش العابرون بخفة مما يظهره لهم الآخرون من ثقل الحقيقة، فيظهر للوجود أناس يخلطون بين الاثنين، بين الجمال والحقيقة، بجرعات مخففة من الحقيقة، وجرعات مكثفة من الجمال، سائرين في الحياة مبتسمين بأمل، بأعين مفتوحة لملاحظة الحقيقة والجمال، متعاطفين مع القتلى وقاتليهم، اللاملحميين في الملحمة، المتمتعين بقدر أكبر من التسامح مع كل شئ، ورغبة أقل في النضال، وقدرة أقل على صناعة الأحلام ومعرفة أعمق في كيفية الاستمتاع بالجمال، واصلين بين طرق الجميع، الواقفين في الطرق يدلون التائهين إلى طرق مختلفة، هؤلاء الذين يدخل أول الناس إلى الجنة، ليندهش إذ يراهم قد أخذوا مقاعدهم من زمن طويل
سنصير أشعارا مهداة لقائلها، وأحلاما لا تذكر نفسها،وأصوات أغنية لا يجابهها شئ ليردها صدى، وزهرا يتفتح في ثوب الحداد، وحدادا يسير متكئا على ضحكات قديمة، ستصير أرواحنا أسرى قوالب مجتمعية يشحنها التاريخ والجغرافيا بمايريدان، ويصير جموح قلوبنا القديم وقد أجهزنا عليه محض اختلاف طفيف عن الواقع العبثي في نمطيته المغلقة، ولن نذكر انطلاقتنا القديمة إلا لأننا يوما نظرنا لهذا كله من عل، سيمتصنا الزمان ببطء ليعيد تشكيلنا كما يريد، سنسير حيث لم يخطر لنا كما لم يخطر لنا، سنحمل أصواتا معلبة تثرثر بما يريد التاريخ أن يقوله، ونقول للقادمين بعدنا: لا تلوموا علينا، لم نجد أفضل من ذلك، ستخترقنا البنية التي اخترقناها لتجعلنا ننطق كما تريد، سنصير خمسة ملليمترات في صورة حشد هائل لانذكر كيف كنا ولا أحد يعرفنا ولا نخرج من الصورة لنقول للمشاهد اللامبالي بضيق حذائنا في الصورة أنه ليس ذنبنا أن حشرنا التاريخ في صورة فوتوغفرافية مباغتة، سنتقن أدوارنا حتى يقول مخرج التاريخ: ربما لن يأتي مثلهم، لم أر من يتماهى مع الدور لهذه الدرجة
..
سيقول العابرون خفيفا: أنا لهم بذلك بالثقل في حياة بهذه الخفة، سيقول فرسان الزمان: حق لهم أن يكونوا كما كنا لولا عبث التاريخ ومآساة الجغرافيا، سنكون يوما ما لانعرف، ويخلدنا التاريخ بمالم نكن، ليذكرنا الذين لن نعرفهم بحكاية حيوات لا نعرفها، لتقودهم حكايتنا التي لم تكن إلى حيث لم نرد وحيث لا يعرفون، سنصير وشما باهتا على ظهر الزمان المتحفظ فلا يراه أحد، سنصير رمادا ينثره من لا يرد دون قصد ليهشه من لا يعرفنا عن طعامه، وأسماءا في سجلات قديمة ربما احترقت وربما لم تحترق، ربما ضاعت، ربما لم تضع، سنصير أسماءا تنطق كما لم نسمع لا يعرفنا من ينطقها، ولا نعرف منها إلا رسمها، لا يكتبها أحد بذلك الشغف كما كنا نكتبها في فصول الدراسة،ولا ينطقها أحد كما ننطقها بحماسة حتى في أشد لحظاتنا حزنا، سنصير لغة قديمة وملحمة منتهية ودماءا لم يرها أحد، لغة يستثقلها الشعراء المحدثون، ويحاكيها التقليديون بركاكة مثيرة للرثاء، سنصير بحورا من الحزن يعبرها المحبون على جسور من الخفة دون اكتراث
..
سيحشرنا القادمون في جمل لم نقلها، ليستنتج ما بعد مابعد الحداثيين بعد تقعر لفظي طويل أننا لم نكن، ويحشرنا مؤرخ في فترة زمنية يسميها كما يريد، ويعارضه مؤرخ آخر في التسمية، ويتدخل مؤرخ ثالث ليقول أن الخلاف بينهما محض خلاف لغوي، سنصير يا أميرتي محض خلاف لغوي، ويقول عابث سفسطائي أننا ربما لم نكن كما كنا، وربما أسأنا التأويل قبل أن يسيؤه المؤرخون، ويقول طالب لصديقه: تتخيل أنهم طلبوا منا دراسة لتلك الفترة الزمنية الكئيبة، ليستثقل كلاهما حفظ أسمائنا، فيصير ما تبقى منا رهن حماسة شاب ربما أراد حفظ أسمائنا ، ربما لم يرد، سيشير طالب لزميلته إلى صورتكِ: ربما تشبهكِ كثيرا، لتشير هي علامة عدم الاكتراث، سنصير لا شئ لصبي صيني في قرية نائية كما كنا لا شئ لجده، سنصير لا ذكري عن لاشئ، سينظر فتى روسي لصورتكِ في خضم صور أخرى كثيرة لبرهة ثم يقول : لا ، سأدرس ربما تاريخ فرنسا في تلك الفترة، متكئا على كرسي قديم يقول أستاذ الأدب القديم لطلبته عن السنة التي قلت لك فيها أنني ربما_ربما_أحببتك: هذه السنة تقريبا لم يقَل فيها شئ ذو معنى، ويقول لهم أستاذ التاريخ عن السنة التي قلتِ فيها أن هذا الأمر لن يصلح: كانت سنة من العبث والعشوائية، سيكون هذا عادلا لكلتا الذكرتين اللتان لا يذكرهما أحد، ستصير ضحكتكِ خفقة في قلب زمن لا يمكن العودة إليه، مهما ذهبت أفلام آلة الزمن عميقا في الخيال، ويصير حزني كتابة على جدار تم ازالته منذ قرون
..
ربما يحتمل الأمر أن يوجد مؤرخ دقيق جدا فيذكر اسمكِ الرباعي كاملا ربما يذكر اسمكِ الخماسي ليتميز عن الآخرين، وصورتين أو ثلاث لكِ، لكنه على دقته لن يأتي على خاطره أصلا أن يؤرخ لتطور ضحكتك مع سنك، ولا اختيارك لمشيتك في الطريق، ولا تفضيلاتك في الطعام، ولا منهجك في اختيار طريق العودة من المدرسة، ولا عن ذكرياتك التي لم تحكيها لأحد، ربما لو كان قلبي أقل تطرفا مما يعرف التاريخ جيدا، لكنت تطوعت بكتابة ذلك، حتى دون علم، كنت لو كتبت أنا، لتركت الأمر كله للارتجال، لكن التاريخ وهو يعلم عداوتي له، لن يتركني أكتب ما أريد، فلست حريصا إذن سوى على إضافة سطور من اللامعنى المشتت المكتنز بالمعاني لأربك قارئ التاريخ، فلا يتعامل مع حياتك بذلك الاستخفاف
..
ستصيرين خيلا ترمح في صحراء تاريخ يمضي كما يريد، وأصير طيرا لا تكترث أدارت الأرض دورتها أم توقف قلبها الحجري، هل يسق خيلك ظله؟ هل تحفظ صحراء التاريخ آثار الخيل فتمنح إمكانية ما للعودة؟ هل تمنحين الصحراء جمالك أم تمنحك لاماهيتها؟ هل تنمنحني السماء اتساعها أم أمنحها لا مبالاتي؟ هل يسبق ركضك تحليقي ؟ أم نتلاقي حيث أكون قد حططت وحيث تكونين قد سئمتي المعركة ؟
..
ستلفتيتن خلفك دوما لتنظري كيف أعبر، سأعبر خفيفا مثقلا بالحب كما فعلت دائما، وتعبرين خفيفة مثقلة بخوف لا مبرر له وجمال لا يؤمن بنفسه كما أنتِ دائما، لكني لن أقول لك ” أن الأمر ” لم يكن يحتمل كل تلك الجدية والتماهي ، ولا أن الله ليس بتلك القسوة التي تتخيلينها، ولا أن الأمر الذي لا يؤول لا ينفذ أصلا، ستعرفين وحدك أننا خفقتين في قلب زمان لاهث لم يكن يكترث كثيرا لو فعلنا مانريد
لأنه لا يفهم في الانترنت كثيرا، دخل على صفحة جوجل، وكتب لها أنه يحبها كثيرا\رغم أنه يفهم في الانترنت كثيرا، دخل على صفحة جوجل، وكتب لها أنه يشتاق إليها كثيرا
1
تقود الصدفة خطانا إلى حيث نندهش ونحلم، وحيث يحيط بنا إحساسنا الهش بالاغتراب، ليملأنا بالحزن والدفء في آن واحد، بينما تتعثر خطانا كل مرة لتغير وجهتها لطريق آخر تدهشنا مرة أخرى، ولنشعر مرة أخرى باغتراب مضاعف، ظلمات بعضها فوق بعض، اغتراب عن طرق كنا مغتربين فيها، لا أدري هل يمكن السير في طريق واحد مدى الحياة أم لا، ولا أعرف أيضا أيهما أكثر وطأة الاغتراب المندهش المصحوب بحنين دائم لماضي أكثر حميمية أصيلا كان أو مزيفا أم الحياة الحميمية الملولة المصحوبة بتأنيب دائم للذات لعجزها على التغيير وافتقادها لشجاعة التجربة، وإن كنت أميل لرؤية أننا دائما ما نحن إلى حيواتنا الأخرى، حيوات كانت ممكنة ولكننا لسبب أو لآخر فضلنا حياتنا الحالية أو أجبرنا على المضي فيها، ومهما كانت قناعتنا النفسية ورضانا وإيماننا بالقدر فإننا في النهاية لا نستطيع أن نكبت داخلنا هذا الحنين للفرص الأخرى، تجلياتنا وذواتنا وحيواتنا وأصدقاؤنا وأحباؤنا وكلماتنا الأخرى ، التي لم نعشها أبدا، والتي سنظل متألمين أنه ربما كانت ذاتنا الأكثر أصالة متواجدة في أحد تلك الطرق التي لم نقطعها
2

يخوض الفيلم إذن بجزئيه “قبل شروق الشمس،قبل غروب الشمس”، هذا التحدي البسيط والجذري، ماذا إن أصغينا ولو مرة لنداء طريق آخر غير طريقنا، وذهبنا فيه بعيدا ولو كتجربة، هذا الطريق الآخر لحياتنا الذي ربما لن يكون أكثر من قضاء ليلة وحيدة مع رفيق سفر في القطار؟، هذا ما يعرضه جيسي على سيلين بكل بساطة :
لدي فكرة مجنونة بكل المقاييس، لكن إلم أطلب ذلك منك الآن، سأظل نادما طول حياتي، أريد التكلم معك أكثر، ربما بينا نوع من التواصل، لنقضي هذه الليلة في شوارع فيينا، يمكنك تركي عندما تريدين، لكن فكري بالأمر هكذا … اقفزي بخيالك عشرين سنة، أنت الآن متزوجة وزواجك تنقصه الروح، تبدئين في لوم زوجك، وتفكرين في كل الشباب الذين قابلتهم في حياتك…وما الذي يمكن أن يحدث لو أنك ذهبت مع أحدهم..حسنا أنا واحد منهم..فكري أنك عدتي الآن عشرين سنة للوراء، للآن ، لكي تعرفي ما الذي كان يمكن أن يحصل لو ذهبتي مع أحدهم..أنا أقدم لك هذا المعروف..لتعرفي فيما بعد أنك لم تضيعي على نفسك أي شئ، وأنني مجرد فاشل مثله ..ممل وكئيب
التفاصيل الكثيرة لليلة كهذه، على جمالها غير مهمة في ذاتها، والكلام الكثير التي سنحشو الليلة به، هو كذلك غير مهم، المهم والجميل في الأمر كله، هو الهرب من ضيق حياتنا المرسومة لنا بدقة، إلى حلم حياة متحررة من ثقل كل أحزاننا، والغير عابئة بكل تجاربنا إلا كمحفزات ومواضيع للكلام، في حياتنا العادية نحن مقيدون جدا، ونتعامل مع ذلك كبديهة لا يمكن الاعتراض عليها، ونعتقد أنها قوانين الحياة، لكننا إذ نجرب التحرر منها نشعر بأننا نمارس أخيرا أصالتنا، التعبير عن ذواتنا كما هي دون تجميل ولا ادعاء، والكلام مطولنا في نظرتنا للأشياء الصغيرة وفلسفتنا الذاتية دون خوف من سخرية ودون محاولة لتضخيم أو تعقيد الأمور، ليس هناك بالطبع أي معايير لذلك، سوى إحساس المرء بأنه الآن هو نفسه، دون النظر لأي اعتبارات
3

يعرف فرويد للسعادة بأنها”التحقق المفاجئ للرغبة”، يتماس ذلك مع رؤيتنا للحظاتنا الحميمية على أنها استراحات قليلة في طريقنا المرهق، وإلى هذا مال الاثنان عندما قررا في نهاية ليلتهم ألا يتصلوا مع بعض مجددا، لا إيميلات، ولا أرقام هواتف، وإن اتفقوا على أن يتقابلوا في موعد محدد ومكان محدد بعد ستة أشهر، لا أدري أيضا إن كانت هذه الرؤية للحياة صحيحة أم لا، هل بالفعل لا يمكننا أن نفلت من قبضة الحياة المعادة الباردة والمكررة إلا لحظات قليلة، لتشكل تلك اللحظات عالمنا المثالي، ونموذج لتصورنا اليوتوبي عن السعادة الكاملة، يفتح ذلك تساؤلا إن كانت أيتهما إذن تشكل الجزء الأصيل فينا، تلك السنوات الطويلة من البرود، أم تلك اللحظات القليلة الحارة ؟
المخيف في الأمر أنه من المحتمل ليس أننا نكتشف جزءا من أصالتنا وذاتنا في كل طريق، بل أن كل طريق نسلكه يمتص جزءا منا ولا يعيده إلينا، وأننا نستودع لحظاتنا الحميمية تلك شيئا من أرواحنا، ولا نعود إليه أبدا، ، وهذا ما قد يولد داخلنا رغبة عميقة في عدم تجربة أي شئ، للحفاظ على البقية الباقية من روحنا
4

رغما عنا، تجبرنا لحظاتنا الحميمية القليلة على الحياة هامشا عليها، تصبح كل تجاربنا شروحا لها، وحواشي عليها، ومحاولات متكررة لإستعادة روح تلك اللحظات، تشكل هي إذن بالنسبة لنا ذاتنا الأصيلة التي عرفناها يوما ما، والتي إلم نعرفها فنحن بحاجة لاختراعها، لنقول لأنفسنا “إننا إن تمكنا يوما ما من الوصول لذلك، ربما نستطيع ذلك مجددا” ، تصبح تلك اللحظات غايتنا، التي نبحث عنها في ثنايا الحياة،، ومحاولة للحفاظ على ما تبقى منها، وعلى الرغم من ضياعنا في طرقات لا تفضي إلى شئ، فإن يقينا بوجود على الأقل تلك الغاية في مكاننا ما، يمدنا بالقدرة على احتمال برودة الحياة
..
لم يلتقيا بعد ستة أشهر،لم تات هي،ذهب هو ولم يجدها، وسيكتب هو رواية عن تلك الليلة، ليقول لها فيما بعد :
أعتقد أن كتابي كان أشبه ببناء شئ ما..كي لا أنسى تفاصيل الوقت الذي قضيناه معا ..كتذكير أننا يوما ما..قد التقينا فعلا ..أن هذا كان حقيقيا..أنه حصل بالفعل
مادمنا فشلنا إذن في استعادة الحميمية بشكل واقعي لنبقيها داخلنا حية، يتقابلان إذن بعد تسع سنوات في حقل توقيع روايته تلك ، ليقول لها أيضا
أتعرفين لماذا كتبت ذلك الكتاب الغبي..لكي تحضري إحدى قراءاتي في باريس..فآتي إليك وسألك: أين كنت كل ذلك الوقت ؟
هذا التجلي الأبرز، لكيف تأسرنا لحظاتنا الحميمية، وتجعلنا مجموعة من المجانين، وكيف تصير حياتنا هوامش علي تلك اللحظات، حواشي عليها، وشروحها لها، وحديث مطول عنها، محاولات لخلق بدائل عنها، تفشل كل مرة، لنحاول ثانية، كان جيسي محظوظا بلقائها إذن بعد كل ذلك، وهذا ميزة أن تكون شخصية روائية أن الراوي بإمكانه إنقاذك باختراع أي صدفة، ولهذا لم تذهب صرخته في الصحراء بحثا عنها هدرا
5

ماذا نفعل إذن حين يهدينا الله مرة أخرى فرصة لنستعيد لحظاتنا الحميمية، مبدئيا هناك خطر كامن في أن نلتقي من أحببناهم يوما ما، أنه ربما نكتشف أنهم ليسوا كما كنا نظن، أننا صنعنا منهم في ذاكرتنا شخصيات أخرى ، جعلناهم أجمل مما هم، هذا ماحدث على الأقل في رواية ” الحب في زمن الكوليرا”، حين شاهدت الفتاة حبيبها التي انتظرته طويلا مرة أخرى :
فورائها وقريبا جدا،من أذنها ،بحيث لم يسمع في الضجة أحد،سواها الصوت الذي قال لها
_ليس هذا بالمكان المناسب لربة متوجة
التفتت ،ورأت على بعد شبرين من عينيها العينين الأخريين الجامدتين ،والوجه الأزرق الضارب إلى السواد،والشفتين المتصلبتين خوفا ،تماما كما رأتها في زحمة صلاة منتصف الليل عندما كان قريبا منها لأول مرة ،ولكنها لم تشعر بهيجان الحب كما في المرة السابقة،وإنما بهاوية خيبة الأمل ،بلحظة واحدة انكشف لها حجم الورطة التي أوقعت نفسها فيها ،وتساءلت مذعورة ،كيف استطاعت أن تحتضن طوال هذا الوقت ،وبكل هذه القسوة حرقة قلب كتلك،استطاعت أن تفكر “رباه ،يا للرجل البائس !”.ابتسم فلورينتيو اريثا ،وحاول أن يقول شيئا ،حاول اللحاق بها لكنها محتة من حياتها بحركة من يدها ،قائلة له
_لا أرجوك ،انس كل شئ
هذا أحد الاحتمالات الممكنة، أن نكتشف أن ذاتنا الأصيلة ووجودنا الذي طالما بحثنا عنه لم يكن إلا سرابا خلقناه في ذاكرتنا لنطمئن أنفسنا أنه موجود في مكان ما، لكن جيسي وسيلين كان كليهما أوفر حظا، بكونهما بطلين لفيلم لم يكن كاتبه بكل تلك الفسوة، كما أن جمال لقاؤهما الأول ، يستبعد الاحتمال المتشائم هذا، إنهما يكتشفان أن كليهم لم يعيشا بعد تلك الليلة إلا قليلا، محاولات كثيرة للتعويض لا تسفر عن شئ، بينما يظل نزيف الروح مستمرا ومعكرا صفو أي لحظات حميمية أخرى ممكنة، تقول سيلين له :
لقد كنت بخير إلى أن قرأت كتابك اللعين، لقد نبش كل شئ بداخلي.. لقد ذكرني كم كنت رومانسية خالصة.. وكيف كنت مملوءة أملا بكل ما هو قادم ..بينما الآن يبدو أنني لم‘ أعد مؤمنة بالحب..ولا أشعر بعاطفة تجاه أي أحد…وكأنني وضعت كل رومانسيتي في تلك الليلة.. ولم يعد بإمكاني أن أشعر بنفس الشعور مرة أخرى.. وكأن هذه الليلة أخذت شيئا مني معها ..شيئا أعطيتك إياه فأخذته ورحلت
تظل تلك اللحظات الحميمية هاجسا \شبحا دائم الحضور، يصرخ في أذننا أن كل ما نحياه مزيف وألا داعي لأن ندعي غير ذلك، وأن علينا الاعتراف بأننا كائنات مهشمة فقدت نفسها في الماضي، ولا ينقذنا من ذلك أن نحاول السير في كل الطرق بحثا عنها، لا ينقذنا إلا بأن نقبض عليها فعلا
1

يبدو ركوب الأمواج ممتعا، خصوصا في بحر هادر، قد تكون الحياة ملخصة تماما في حركة راكب الأمواج ، صعودا وهبوطا. لاعتبارات كثيرة ربما سنصعد مع الموجة، ولا نهبط معها، بينما يهبطها آخرون لم يصعدوها، لتنتقل ألواح التزلج من جيل لآخر يستمتع بالهبوط على مهل، ليقول أنه نجح في ركوب الموجة
2
الجميل في أن تعيش لحظات ملحمية جدا، أنه يتكشف لك ما تجولت ببصيرتك، زيف لم يكن ليتكشف لك في لحظات أخرى،حين ترى الكثيرون ينحازون بملحمية زائفة للمنتصر، بجوارها تتكشف أصالة لم تكن تتوقع أصلا أنها موجودة، وتراهن نفسك على أنها في الاختبار القادم ستسقط في الزيف، ولكن قلة ما تستمر في الحفاظ على أصالتها أبدا.، بينما يتساقط الناس كل مدة على الطريق، وينحازون للمنتصر
3
الجميل أيضا أنك ستعيش لحظات حقيقة متتالية وممتدة، صانعة حدودا وأخاديدا بين رفاق الماضي، حدود مؤقتة بطبعها، تضمن لحظات قليلة أخرى كي يستعد الجميع للحظات التالية، حين سيتقاتل رفاق الماضي مع بعضهم البعض، تلك اللحظات التي تأتي دائما مع حنين قاتل لماض ذهبي مثالي، مشكلته الأساسية، أنه عكس الكثير من النوسطالجيات الزائفة، أنك تعلم أنه ربما فعلا كان موجودا، وأنك عايشته بالفعل، وحينها قد يقتلنا الحنين ، قبل أن نقتل بعضنا البعض
4
السيئ بالطبع في ذلك، أنك ستجد الزيف يحاصرك بشكل لم تتوقعه، فالملحمة كما أنها تخرج الأصالة من مكمنها، فإنها تخرج الزيف الكامن فينا أيضا، يتبدى الزيف كبناء ضخم من الحماسة والإيمان، بينما لا يحمل داخله فعلا إلا انحيازا للمنتصر أو رغبة في التماهي مع الجمع الآمن ناتجة أساسا عن ضعف نفسي أو رغبة في قيادة الجموع هي كذلك نابعة من عقد نقص نابعةمن احتقار للذات يسعى للتعويض
قليلون بالطبع يستطيعون اكتشاف أن تلك الأبنية الضخمة من الحماسة والإيمان والأشعار والخطب والأغاني والبلاغة الرومانسية، ليس وراءها شئ، ليس فقط أنها زائفة في ضخامتها، وربما لا تكون بتلك الضخامة ولا حتى أنها تخبئ شرا عميقا، بل ليس وراءها شئ بالمعنى الحرفي للكلمة، بوابة القصر العملاقة تفصل بين مكانين هما المكان نفسه، ما وراءها يشبه ما أمامها. هذا سيكون لأنهم لتوهم عبروا بوابة القصر، بينما خوف الناس واغترابهم فقط، هو الذي يملأ القصر المزيف بالغموض والغنى
5
مشكلة الصعود مع الأمواج أيضا، أنك تلاحظ في أول الصعود الغنى الذي يتمتع به أناس معينون،وفي منتصف الصعود تلاحظ “عاديتهم”، وتحتار أين بالضبط فقدوا أصالتهم تلك، ويبدو هذا مثيرا للتشاؤهم والحزن أيضا.ستكمل الطريق إذن برفاق أصلاء آخرون، لكنها نفس مشكلة الحب الأول تقريبا، أنه يأتي مندفعا بكل قوة أحلام الطفولة، بينما يصير الحب بعد ذلك هادئا ، لطيفا وعقلانيا، وربما لأنك سئ الحظ، ستكون بطبعك لا تؤثر لا الهدوء ولا العقلانية
6
وماذا ستفيدنا الحياة، إن اكتشفنا يوما ما زيف الحب؟
دي الحقيقة المطلقة، احنا كائنات غلبانة بس بنتعنطظ على الفاضي
nohareda:
بالظبط، ودا معناه إنه إحنا كائنات غلبانة فشخ ومحتاجين نبطل قسوة شوية على روحنا … وندّي طول ما لسة عندنا نفَس
jailan-elshafie:
بس مش لو كل حد فينا فكر كده , ف الأخر مفيش حد حيسأل على التاني ؟!
nohareda:
(: وفي الآخر كل واحد بينام بالليل لوحده
belalalaa:
ممكن يكونوا بيخافوا، واحتمال مايكونوش عارفين يحددوا حدود العلاقة بالظبط، وممكن يكونوا بيبذلوا مجهود عشان يعملوا أي حاجة أصلا
nohareda:
لو سؤال…
ممكن يكونوا بيخافوا، واحتمال مايكونوش عارفين يحددوا حدود العلاقة بالظبط، وممكن يكونوا بيبذلوا مجهود عشان يعملوا أي حاجة أصلا
nohareda:
لو سؤال الناس عنك بيحتاجهم يبذلوا مجهود عشان ياخدوا الخطوة، ما تسألش انت عنهم
لما مارضيتش تكلمه، خاف ليموت من ضيق النفس
عمل جناحين من الشِعر، ونط من فوق السحاب
شافه عصفور عبيط، حب يقلده
ضحك، واداله جناح عربون محبة
فضل جناح.. رماه
خاف ليحس زيه بالوحدة
وخد نفس طويل
وعيط وضحك ومات
..
سيقول ميت لمشيعيه الذين أصابهم الإرهاق: لا عليكم، اتركوني هنا، لا شئ يهم، لا شئ مهم، بينما تثقل اللحظات حتى يظن العابرون في الشوارع أنهم لا يتحركون من أماكنهم، المحب الذي اتصل بحبيبته ليعاتبها على جفاءها سيندهش فجأة ويقول لها: لا عليك، قلت لي من أنتِ، نعم، لا عليك، هذا كله سوء تفاهم، هذا كله سوء تفاهم
..
تتكدس العربات في الطرقات، بعدما نسى سائقوها إلى أين كانت وجهتهم، سكان الأدوار العليا سيجلسون على حواف البلكونات والشبابيك، مدلاة أقدامهم، ينظرون بلا مبالاة للا شئ، حتى الشاب الذي قرر الانتحار، سيتوقف في منتصف المسافة بينه وبين النهر، ويتسلق الهواء درجة درجة صاعدا مرة أخرى ،وهو مندهش لقدرته المفاجئة على تسلق الهواء، الزوجة تنظر لزوجها مندهشة في منتصف الشارع: تتبعني منذ فترة، هل نعرف بعضنا البعض، الزوج من جهته سيجيب : ظننت أننا تعارفنا في بداية الشارع، آسف
..
نادل المقهى سيقرر في منتصف المسافة بينه وبين الزبون أن لا شئ يهم، في نفس اللحظة التي يقرر فيها الزبون ألا يطلب شيئا، الطالب المعجب منذ زمن بزميلته، سيجلس بجوارها دون كلام دون أن يشعر بشئ مما تصوره قبلا، الأستاذ الجامعي ينظر ببلاهة للسبورة المملوءة لنصفها، ولا يذكر معنى الكتابة
..
لا يتذكر القاضي شيئا عن القضية التي يحكم فيها، فيحكم بالاعدام على هذا الذي لا يعرفه ليخلصه من ثقل الحياة، حارس القفص، سيفتح القفص للمتهم ليخرج، ضابط التحقيق سينظر للمتهم السياسي باعجاب، ويحييه: كيف إذن أتيت بكل الحماسة في هذا الجو الراكد، ليجيب الأخير: لا أذكر
..
تسأله حبيبته الجالسة تجاهه وقد نست كل شئ : هل تعلم كنت في طريقي لمقابلة أحد ما لا أذكره، يقطع تأمله الطويل في وجهها ليجيب : هل تعلمين أنك تذكرينني بشخص ما، ترد : بمن ؟،يرد: لا أذكر، لكن هل تعرفين أنك جميلة جدا
..
يسير الزمن بجوار الصبر، يقف فجأة ويسأله: هل تظن أننا سنعبر هذه المحنة ؟
..
رجل يجلس فوق سيارته مربعا قدميه، وهو يفكر أنه قد عاش هذا اليوم قبلا، يفكر وهو ينظر لرجل آخر يجلس فوق سيارة أخرى، أن ربما كان من المفيد أن يخبر أحدا ما بهذه الملاحظة، ولكنه لن يجد الحماسة الكافية
..
تسأله: وكيف احتملنا كل هذه الرتابة والخواء، كل هذه الفترة،، يجيبها: التفسير المنطقي أنه ربما في الأغلب، لم نكن نحن
..
تفكر وهي تنزل السلم، أن الأمر لم يكن يحتمل كل هذه القسوة، وأنه في النهاية إنسان طيب ويحبها ولا يتسحق كل ذلك، تقرر أن تكلمه، لكنها لا تتذكر بالضبط من هو
..
بعدما كسر الباب ليقحتم الشقة ويعتقل أحدهم، يندهش الضابط من هذه الغلظة ويجلس في غرفة الصالون، فيما يدخل عليه المعتقل الافتراضي ويقدم له كوبا من الشاي، ويجلسان لا يتحدث أحدهما إلى الآخر
..
ينزل الركاب جميعهم من الميكروباص، في الطريق، ويدخلون بيوتا ليست لهم، ليمضوا بقية أعمارهم هناك، ينزل سكان هذه البيوت، يركبون الميكروباص، ليهربوا
..